وحي الجماهير . .
كتبهاjournalist ، في 7 أكتوبر 2006 الساعة: 07:57 ص
تأخرت في جلوسي ليلة أمس إلى قبيل الفجر مع بعض الزملاء، وكان لا بد من سحور حتى لا نتورط صباحاً، خصوصاً أن بعض الزملاء لديه أعمال أشبه بالشاقة، وبطبيعة الحال فإن تأخرك إلى قبيل الفجر يعني أنك لن تجد مطعماً يستقبلك إلا نادراً، وكان من النادر مطعم شعبي لبيع الرز، سبق وأن تسمم منه بعض من أعرفهم، لكن لا بأس إنها رغبة الزملاء . .
دخلت المطعم لأول مرة واصطففت في طابور طويل لأطلب السحور، كل المشاهد التي تبدو لي توحي بموضوع صحفي لا بأس به، ملابس الناس هناك، طريقة الجلوس، شعار المطعم! الحديث المتداول بين رواد المطعم، مغاسل المطعم . . . والكثير الكثير. 

أرجو أن لا تلوموني في تلك النظرات المتطفلة، فأنا صحفيJ أحتاج لأنظر إلى كل الأشياء بدقة حتى أستوعبها وأحولها إلى نص مقروء ومفيد، رجعت إلى زملائي فإذا أحدهم يتحدث عن الموضوع نفسه، وبالطبع فمجاله ليس بعيداً عن مجالي، فهو مصور أيضاًJ .
تحدثنا جميعاً عن كل ما لاحظناه من تصرفات غريبة وطريفة وجيدة، وكل شيء في المطعم، هل تصدقون أن أحدهم كان يتناول طعامه وهو متلثم؟
قدم النادل الأكل بطريقة السجّان إلا قليلا، كانت الصحون متراكمة فوق بعضها البعض، وكان النادل يأمر صاحبي بأن يفرش "السفرة" ووضع الأكل . .
بدأ الزملاء الأكل بنهم شديد وبدأت معهم، أخذت ألتفت يمنة ويسرة، الجميع هنا يأكل بنهم، لا مجال للإتكيت ولا للمجاملة، الجميع يأكل ويتحدث ويضحك ويتجشأ وأشياء أخرى كثيرة . .
لا أخفيكم أن الطعام كان لذيذاً رغم المقدمات غير الجيدة التي واجهناها مع الزملاء. حديثهم عن الملاحظات توقف، غير أني استمررت في التفكير وما لموضوعات التي يمكن أن أخرج بها من هذا المطعم. وجدت أنها موضوعات عديدة، حسناً . . لماذا تكثر الأفكار في هذا المطعم، ولا تجيء في كثير من الأمكنة؟ ولماذا يتفاعل المجتمع مع العديد من الموضوعات بينما يغفل موضوعات أخرى؟
الإجابة كانت لأن من كتب تلك الموضوعات إما أن يكون كتبها في مقر صحيفته دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الشارع، وإما أن يخرج إلى الشارع ويعيش الموضوع الذي يريد أن يكتب عنه، ولذا يتفاعل الناس، تأملوا في كثير من الروايات والمقالات الصحفية، ستجدون أن الناجحين من أولئك الكتاب هم ممن يعيش هموم المجتمع ويستقي أفكاره منها، ويأتي بطريقة مناسبة ليعالجها بحسب فكره وتوجهه، بينما يظل آخرون يكتبون من وحي الأحلام أحياناً ومن وحي الكتب الأكاديمية أحياناً أخرى.
لم أقرأ رواية أولاد حارتنا رغم الحديث الكثير الذي لفها، لكني قرأت ثلاثية نجيب محفوظ، قصر الشوق والسكرية، وبين القصرين، وعرفت لماذا اشتهرت تلك الروايات ونالت حظوة لدى القراء، لقد كتب محفوظ رواياته وهو في مجتمعه يعيش همومه وأفراحه، وينقل مآسيه وقضاياه، ويصوغها في قالب فني، ولم يكتبها في قصر في الريف السويسري أو في قصر يحوطه الحرس والخدم.
إن الكاتب والصحفي والأستاذ الجامعي، بل والوزير وكل من وضع نفسه لخدمه شعبه صدقاً أو ادعاءً، إن لم يعش هموم مجتمعه ويسعى لحلها بعيداً عن التلاعب بالعواطف، والتنظير المنتهي بلا شيء، فهو لا شيء . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إعلام | السمات:إعلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























